ابن تيمية

88

مجموعة الفتاوى

أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ إذَا قُتِلَ كَبِيرٌ مِن القَبِيلَةِ قَتَلُوا بِهِ عَدَداً مِن القَبِيلَةِ الْأُخْرَى غَيْرَ قَبِيلَةِ الْقَاتِلِ ، وَإِذَا قُتِلَ ضَعِيفٌ مِنْ قَبِيلَةٍ لَمْ يَقْتُلُوا قَاتِلَهُ إذَا كَانَ رَئِيساً مُطَاعاً فَأَبْطَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ } فَالْمَكْتُوبُ عَلَيْهِمْ هُوَ الْعَدْلُ ، وَهُوَ كَوْنُ النَّفْسِ بِالنَّفْسِ ؛ إذْ الظُّلْمُ حَرَامٌ . وَأَمَّا اسْتِيفَاءُ الْحَقِّ فَهُوَ إلَى الْمُسْتَحِقِّ ، وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ : { وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ } أَيْ لَا يَقْتُلْ غَيْرَ قَاتِلِهِ . وَأَمَّا إذَا طَلَبَتْ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ حُكْمَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، فَقَالَتْ الْأُخْرَى نَحْنُ نَأْخُذُ حَقَّنَا بِأَيْدِينَا فِي هَذَا الْوَقْتِ : فَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ الْمُوجِبَةِ عُقُوبَةَ هَذَا الْقَاتِلِ الظَّالِمِ الْفَاجِرِ ، وَإِذَا امْتَنَعُوا عَنْ حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَلَهُمْ شَوْكَةٌ وَجَبَ عَلَى الْأَمِيرِ قِتَالُهُمْ ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَوْكَةٌ : عَرَفَ مَنْ امْتَنَعَ مِنْ حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَأَلْزَمَ بِالْعَدْلِ . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : لَنَا عَلَيْهِمْ حُقُوقٌ مِنْ سِنِينَ مُتَقَادِمَةٍ . فَيُقَالُ لَهُمْ نَحْنُ نَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِي الْحُقُوقِ الْقَدِيمَةِ وَالْحَدِيثَةِ ، فَإِنَّ حُكْمَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ يَأْتِي عَلَى هَذَا . وَأَمَّا مَنْ قَتَلَ أَحَداً مِنْ بَعْدِ الِاصْطِلَاحِ ، أَوْ بَعْدِ الْمُعَاهَدَةِ وَالْمُعَاقَدَةِ : فَهَذَا يَسْتَحِقُّ الْقَتْلَ ، حَتَّى قَالَتْ طَائِفَةٌ مِن العُلَمَاءِ : إنَّهُ يُقْتَلُ حَدّاً ، وَلَا يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْهُ لِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ . وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ : بَلْ قَتْلُهُ قِصَاصٌ ، وَالْخِيَارُ فِيهِ إلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ .